يرسم أسامة أبوزيد في هذا المقال صورة قاتمة لوضع الصحافة في السودان، حيث تحوّلت الحرب إلى معركة على الرواية بقدر ما هي صراع عسكري، وأصبح الصحفيون أهدافًا مباشرة للقتل والاعتقال والترهيب، ما أدخل البلاد في أزمة تضليل عميقة تهدد حق المجتمع في المعرفة.


وتنشر ميدل إيست آي هذا التحليل في سياق تصاعد الانتهاكات ضد الإعلاميين، مع غياب المساءلة واستمرار الحرب لأكثر من ثلاثين شهرًا، ما جعل إسكات الشهود سياسة قائمة بذاتها، لا مجرد نتيجة جانبية للعنف.

ساحة حرب بلا شهود


يبتلع الصراع في السودان الشهود واحدًا تلو الآخر، كاميرا بعد أخرى، وصوتًا بعد صوت، حتى صار الصمت ذاته أداة من أدوات الحرب. لا يقتصر القتال على الميدان العسكري، بل يمتد إلى ميدان السرديات، حيث تنظر قوات الدعم السريع إلى الصحافة المستقلة بوصفها موقعًا معاديًا يجب اقتحامه، خصوصًا في دارفور، إذ عوقب صحفيون لمجرد نقلهم ما يرونه على الأرض.


في المقابل، شددت السلطات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية قبضتها على الإعلام، فأوقفت صحفيين وسحبت اعتماداتهم تحت عناوين فضفاضة مثل “الأمن القومي” و“المصلحة العامة”، ما ضيّق مساحة إعلامية هشة أصلًا. ويحذّر الكاتب من أن قمع الصحافة لا يجلب الاستقرار، بل يفتح الباب أمام الشائعات والتحريض الطائفي، لأن غياب التقارير الموثوقة يسمح للدعاية والهلع بالانتشار أسرع من الحقائق.


وثّقت تقارير صحفية دولية، بينها تقارير لوكالة رويترز، نهب غرف الأخبار، وإغلاق مؤسسات إعلامية، ودفع صحفيين إلى المنفى، ما خلق فراغًا معلوماتيًا خطيرًا في لحظة يحتاج فيها السودان إلى الإعلام أكثر من أي وقت مضى.


استهداف ممنهج ورسائل بالدم


لا يندرج ما يحدث ضمن حوادث معزولة. تكشف بيانات نقابة الصحفيين السودانيين مقتل ما لا يقل عن 32 صحفيًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى جانب أكثر من 550 انتهاكًا شملت الاعتقال والترهيب والمنع من العمل. وتحذّر اليونسكو من أن القتل والتهجير القسري صارا سمة أساسية للعمل الصحفي خلال النزاع.


تحمل هذه الأرقام قصصًا إنسانية موجعة. ففي مارس 2025، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع طاقم تلفزيون رسمي في الخرطوم، فقُتل المنتج فاروق الزاهر، والمصوّر مجدي عبد الرحمن، والمونتير إبراهيم مداوي. وفي الأشهر التالية، سقط صحفيون آخرون في الفاشر وغرب كردفان، بعضهم أثناء القصف، وآخرون بعد سيطرة قوات مسلحة على مناطقهم.


تكشف هذه الوقائع نمطًا واضحًا: صارت الصحافة فعلًا يُعاقَب عليه. فالقتل يبعث الرسالة الأقسى، بينما يشكّل الاعتقال إنذارًا بطيئًا لكنه ممتد الأثر. ويشير الكاتب إلى احتجاز الصحفي معمر إبراهيم في دارفور أواخر 2025 بوصفه مثالًا على كلفة نقل الحقيقة، إذ واجه اتهامات علنية بتأجيج الصراع، وسط مخاوف متزايدة على سلامته.


حين يصبح الصمت خطرًا عامًا


يرى أبوزيد أن الصحافة ليست ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد السلام، بل أداة للحد من الضرر أثناء الحرب. فغياب الصحفيين يطلق “اقتصاد الشائعات”، حيث تشعل صورة مزيفة أو همسة غير مؤكدة موجات عنف وانتقام. وتحوّلت الحملات الإلكترونية، من تشهير وكشف بيانات وتهديد، إلى امتداد مباشر لساحة القتال، تنتهي أحيانًا باعتداءات جسدية.


لا يعفي الكاتب السلطات الرسمية من المسؤولية، إذ يشير إلى قرارات تعليق عمل صحفيين وسحب تراخيصهم، ما يرسّخ فكرة أن العمل الإعلامي امتياز تمنحه السلطة وتسحبه متى شاءت، بدل أن يكون حقًا يحميه القانون. ويعكس ترتيب السودان المتأخر في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 هذا الواقع القاتم.


يدعو المقال إلى نقل حماية الصحفيين من مستوى الخطاب إلى مستوى الأنظمة الفعلية، عبر جعل سلامتهم خطًا أحمر دبلوماسيًا، والمطالبة بالكشف عن مصير المفقودين، وفرض عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات. كما يؤكد ضرورة إيصال الدعم الطارئ إلى الصحفيين، من مسارات إجلاء ورعاية نفسية ومساندة قانونية، خاصة للصحفيين المحليين والمستقلين.


ويشدّد الكاتب على دور المنصات الرقمية في كبح المحتوى المحرّض على العنف، وتعزيز الإشراف باللغة العربية، لأن التهديدات الإلكترونية باتت تغذّي العنف الميداني مباشرة. كما يطالب بإنهاء الرقابة الإدارية واستبدالها بإجراءات شفافة قابلة للطعن.


يخلص أبوزيد إلى أن خسارة السودان لصحفييه تعني خسارته ذاكرته الجماعية، وخسارة العالم فرصة فهم ما جرى ومن المسؤول عنه. ففي مجتمع بلا صحافة، تتضخم الأكاذيب، ويغدو القمع أسهل، ويصبح الصمت أخطر من الرصاص.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/sudan-war-battlefield-narratives-journalists-have-become-enemy